إخوان الصفاء
311
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أنه أمر رجلا لقع صعدا « 1 » أن يسقى له ، وهذا أيضا حديث مشهور . وإنما أمر الرجل أن يغسل له ليزول عن الملقوع ما أثّرت فيه العين بما بدر منها ، وأن يزول ذلك بما يبدر منه ، ولأنه ، صلى اللّه عليه وسلم ، علم ذلك بخصوصيته وكيفيّته وعرف السبيل فدلّ عليه . ومثل هذا ما نشاهده من التثاؤب ، ونرى إن تثاءب رجل تثاءب جليسه حتى ربما يتثاءب جماعة من مجلس واحد . وهذا من جهة العدوي ، وهي أيضا أثر يؤثر ، فبدأ من النفس التي ينظر إليها ويؤثر فيها . وهذه الصفات التي ذكرناها دليل على تأثير الرّقى والنّشر والعزائم في الأنفس البهيمية التي في أصناف الحيوانات . وإنما ترى الراقي يستعين على الرّقية بالنّفث والنفخ وغير ذلك ، لأن النفث والنفخ هما من جوهر هذه البهيمة بحركة من النفس المنطقية ، ويؤثران فيها كما يؤثّر الصفير والنفير وسائر الإشارات التي ذكرناها . وإنما يقف على حقائقها واللطائف التي فيها الحكماء المطهّرون الذين أيّدوا بالوحي من اللّه ، عزّ وجل ، فهم يعرفون سبب كل شيء وفي ما ذا يؤثر ، وإلى أي جوهر من الحيوان يؤدّي . فمنها ما دلّوا عليه ووقع في أيدي الناس وعملوا بها كما يرى ، مثل ما دلّوا على حجر المغناطيس وما فيه من الطبع الذي يجذب الحديد . ومثل هذا لو كان خبرا ما صدّق به كثير من الناس وكذبوه كما كذبوا غيره مما لم يشاهدوه ولم يعرفوه ، ولكن العيان والمشاهدة في الأجساد الحجرية والعقاقير المواتيّة . أفليس يمكن أن يكون مثل هذا في الحيوان مع ما فيه من الفضل على الموات بالنفس البهيمية الممتزجة المتهيّئة لقبول أثر النفس الناطقة فيها ، وما يشاهد من أفعالها ، ولا سبيل لنا إلى إدراكها أكثر مما أدركناه ، ومعرفة كيفيّتها وعللها والأسباب إلّا بتوفيق من الحكماء الذين خصّوا بعلمها ، عليهم السلام . فمنهم من أعطى كثيرا منها كما روي عن
--> ( 1 ) صعدا : شديدا .